لنجاحي قصة - أثر تطبيق برامج الأكاديمية على الطالبات



لنجاحي قصّة
أثر تطبيق برامج الأكاديمية على الطالبات
مدرسة حكما الثانوية للبنات
المعلمة: ديانا علي


إنَّ هاجسي بوصفي معلمة يتمحور حول تساؤلات عدة: هل فهمت طالباتي ما أريد إيصاله؟ وإلى أي مدى يمكنهن تمثل تلك المعرفة وتوظيفها على المدى البعيد؟ وكيف يمكنهن استغلالها في الحياة الحقيقية؟ وكيف يمكن أنْ تؤثر بعلاقتها مع نفسها ومع الآخرين؟ كيف يمكن أن تترجم المعرفة إلى سلوك وتنسلخ عن العالم الذهني إلى الحياة الواقعية؟ كيف تمتلك الطالبات مهارات اللغة العربية وتكبر معها؟ هذه بعض من تساؤلات تراودني دائما في التدريس؛ لأنني أدرس مادة "لغة"، وهي مرتبطة عند الطالبات بالقواعد، وبنصوص الشعر العصية على الفهم، وبكتابة مقالة رتيبة وقصة قصيرة، فتجاوب الطالبات مع اللغة محصور بمجال ضيق لا يتعدى المنهاج الذي ينتهي بانقضاء السنة الدراسية بكل حصصها وامتحاناتها، وبعدها يتلاشى كل شيء مع العطلة الصيفية.

بعد خوضي لتجربة تطبيق الاستراتيجيات التي تلقيتها من أكاديمية الملكة رانيا تحقق ما أردته:

1 متعة التطبيق ومراقبة أثره، ففي كل جلسة ألمس نموًا لقدرات الطالبات ومهاراتهن، وهذا الأمر يجعلني أسعى بشغف لإكمال الجلسة التي تليها، وترقّب أثرها بسعادة، وهذه نقطة مهمة تجعلني أتخطى كل الحواجز والعقبات المتعلقة بالوقت، وضغط المنهاج، والعبء الدراسي الملقى علي وعلى طالباتي.

2 التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة، فالاسترتيجيات المطبقة: تعليم القراءة المكثفة، وتعليم قراءة القصة، وتعليم كتابة القصة الشخصية تكسب الطلبة الكفايات اللازمة لتطوير تعلمهم الذاتي. إنَّ التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة هما هدفان ظاهران بقوة لكل من طبق الاستراتيجيات، وهذا ما لمسته، فالمنهج المتبع قي تعليم مهارتي القراءة والكتابة يسير باتجاه التعلم الذاتي، لأنه يعطي للطالب مفاتيح القراءة والكتابة ويكسبه الكفايات اللازمة لخوض غمار التجربة الأدبية؛ فالقراءة المكثفة باستراتيجيتيها: تحديد الأفكار الرئيسة والفرعية، والكشف عن معاني الكلمات من خلال السياق والاشتقاق تمكِّن الطالبات من فهم أي نص معرفي أو قصصي، وطبيعة الأنشطة المرافقة لهاتين الاستراتجيّتين تثريان قدرات الطالبات في الكشف عن العلاقات اللغوية بين المفردات وارتباطها بسياقها وبالفكرة المعبر عنها. ومن خلال تجربتي مع الطالبات كان السؤال الخاص باستخراج الفكرة الرئيسة سؤالًا غير مرحّب به، لكنه الآن أصبح مقبولًا؛ لأن الأداة والمنهج بأيديهن. وفي أثناء تطبيقي لجلسات القراءة المكثفة ظهر شغفي في بناء أنشطة لغوية تأتي على الألوان البديعية، واستخدام لغة الجسد والتمثيل في التعبير عن معاني المفردات من قبل الطالبات.

أما في جلسات تعليم قراءة القصة فقد أقبلت الطالبات على قراءة القصص بحماس، وبعضهن أخبرنني بأنهن لم يقرأن كتابًا من قبل، ونقلت جلسات تعليم قراءة القصة الطالبات من طور القراءة من أجل المتعة، وهي أبسط أنواع القراءات، إلى طور القراءة التحليلة الناقدة؛ لأنها عالجت تحليل النصوص القصصية على مستويين: المستوى السطحي/ المعنى الظاهر، والمستوى العميق/ المعنى الباطن. وانتقلت هذه المهارة إلى تحليل النصوص الشعرية/ الصور الفنية والكنايات، والعبارات النثرية المجازية منها، وكانت الطالبات يستخدمن دائما عبارة "قراءة ما بين السطور" كإشارة منهن إلى المعنى الباطن. كما أن القراءة التحليلة وقراءة ما بين السطور مكملة لاستراتيجيات كتابة القصة الشخصية لاسيما في استراتيجية التعبير عن المشاعر بدلا من سردها، فالطالبات لم يواجهن صعوبة في تطبيقها. ولأننا نتعرف إلى شخصيات القصة ونراقبها ونكون انطباعات عنها ونواجه تحدياتها ونتنبأ بأفعالها، ولأنها تصبح صديقة لنا فقد وظفت الطالبات ذلك في الواقع من خلال علاقتهن ببعض ومع الآخرين، وهذا واقع ملموس وحقيقي رأيته في سلوك الطالبات. أعتقد أنَّ ربط استراتيجيات قراءة القصة بالواقع أدى إلى نقل المعرفة من العالم الذهني إلى العالم الحقيقي وهنا تحقق "التعلم مدى الحياة"، أي أن المعرفة العلمية المنهجية أصبحت سلوكًا حياتيًا، وهذا يؤكد أنَّ عالم الخيال الأدبي متصل بالحياة الواقعية ومنفصل عنها في آن.
وكانت في جلسات تعليم كتابة القصة الشخصية متعة كبيرة في التطبيق والقراءة والتلقي، فقد شكلت استراتيجيات كتابة القصة حلقة اتصال نموذجية بكل مراحلها وأطرافها، فضلا عن أنها تمنح كل طالبة فرصة للتعبير عن ذاتها أمام الجميع، وتتدرج معها من مرحلة التعبير الشفوي والتعبير عن طريق الرسم إلى الكتابة، فقد أصبحت حصة الكتابة منبرا لكل الطالبات؛ فالاسترتيجيات شملت كل أطياف الطالبات على اختلاف مستوياتهن وميولهن وقدراتهن وذكاءاتهن، بالإضافة إلى ميزة المحادثة الثنائية والجماعية، وطريقة التفكير الجماعي فعندما أطلب منهن البحث عن بدائل عربية فصيحة لبعض الألفاظ العامية أو الأجنبية التي استخدمتها بعض الطالبات تنقدح في أذهانهن بسرعة الكلمات البديلة.

استطاعت الطالبات أن يتمثلن تلك الاستراتيجيات ولا يتهيبن من توظيفها، لأنها ممارسة حقيقية، غير مرتبطة بعلامات (هذا عامل نفسي مهم)، فهن يكتبن ويقرأن بحرية، ويتعاطفن، ويوظفن مخزونهن الثقافي والحياتي بطريقة بسيطة، وآراؤهن لا تهمش، ولا يخجلن من سرد لحظاتهن ومشاركتها، إنهن يتعلمن ويلعبن، ويكتبن ويقرأن ويستمعن ويرسمن، ولا يشعرن بسلطة تراقبهم، وإنما بصديق يساعدهم ويوجههم، وهذا ينمي القيم الوجدانية لديهم.
 ومن الجميل ذكر تجربة قامت بها أربع طالبات عندي، حيث كتبن لحظة واحدة مررن بها معا، فقد قدمت كل طالبة الحدث من منظورها، وسردت تفاصيله بطريقة مختلفة عن الأخريات، وعندما استمعنا إلى سردهن دهشنا؛ فالحدث واحد لكن التفاصل اختلفت من ساردة إلى أخرى، وقد بينت للطالبات أن هذا يسمى بـــ "تعدد الأصوات"، وهو نوع روائي يسمى "الرواية البولوفونية"، واقترحت عليهن أن ندمج قصصهن للخروج بمجموعة قصصية واحدة تجزأ إلى أربعة أصوات بأسمائهن.

وفي جلسة الاحتفال الخاصة بكتابة القصة الشخصية نشرت الطالبات أعمالهن، وطلبت منهن تبادل قراءة القصص والنظر إليها بعين القارئ الخبير، وتدوين:
يعجبني :.............................    وماذا لو .............................

لقد حققت الأكاديمية تنمية مستدامة لمعلميها وطلبتهم، وضخت دماء جديدة في عالم تربوي جاف، لطالما أثقلنا بنظرياته الثقيلة، وكان عبئا على عبء أثقل كواهلنا. وبعد كل هذا لا تسألوني هل أنا المعلمة ديانا في سنة (2016) كما أنا الآن في عام (2017)، وهل طالباتي مثلي قبل (2016) وبعد (2017) أعتقد أنَّ تجربتي تجيب عن هذا التساؤل. وهذا التغيير ليس سحريًا ولا مكلفًا، فالتدريب الذي تلقيته عميق جدًا وبسيط جدًا، ونقل أثره لا يحتاج إلا الإيمان به، فطبيعة الاستراتيجيات بسيطة وغير معقدة ونتائجها مثمرة وتلمس بسرعة.

بدعم من



شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا:

اعلانك هنا